///////

قصة موسى عليه السلام (ج4) | مختصر ابن كثير

في هذا الجزء نواصل قصة موسى مع فرعون حينما احتشد الناس في عيدهم في يوم الزينة وتجمع السحرة ضد موسى، ثم هزيمة السحرة أمام موسى، وتسليمهم بربوبية الله ونبوة موسى، فيخروا ساجدين معلنين إيمانهم.

إسلام السحرة وهزيمة فرعون

انطلق فرعون ليجمع السحرة من كافة أنحاء مصر، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مليئة بالسحرة المحترفين، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير، فقد كانوا بعشرات الآلاف، وكان تحدياً عظيماً أمام موسى وفرعون، واحتشد الناس في عيد يوم الزينة في الصباح كما طلب من فرعون.

حضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بكرة أبيهم، وقالوا: لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، والتقى فرعون بالسحرة، وقالوا له: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. فقال فرعون: نعم وإنكم لمن المقربين، لكن اعلموا أن هذان لساحران عظيمان، فأجمعوا سحركم جيداً.

تقدم موسى عليه السلام إلى السحرة واعظاً وداعياً، فأخبرهم أنه ليس بساحر وإنما رسول من عند الله ألا نعبد إلا إياه، وأن الله أعطاه برهان ليثبت نبوته ورسالته وليس سحراً يخدع به عيون الناس كما يفعل السحرة، ثم حذرهم موسى ألا يفتروا على الله الكذب بهذا السحر والخداع وإلا سينزل عليهم العذاب، وقد خاب من افترى.

أثارت كلمات موسى الجدل بين السحرة لعلمهم بحقيقة عملهم، فخاف بعضهم، وتردد آخرون، بينما تمسك آخرون بمهمتهم التي كلفهم بها فرعون، فوقع الخلاف فيما بينهم، لكن فريقاً منهم راح يشجع كل السحرة أن يثبتوا فقالوا: لا تنخدعوا بكلام هذان الساحران، إنهما يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويغلبا الملك ويذهبا بطريقتكم الأولى، فأجمعوا كيدكم وكونوا على قلب رجل واحد ولا تختلفوا، وقد أفلح اليوم من استعلى.

لما اصطف السحرة ووقف موسى وهارون عليهما السّلام تجاههم، قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك؟ قال موسى: ابدأوا أنتم وألقوا ما معكم. وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصيّ فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطراباً يخيل للرائي أنها تسعى وتتحرك، فلما استعدوا قالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. وألقوا ما في أيديهم من الحبال والعصي، فسحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاءوا بسحر عظيم.

لما رأى موسى هذا المشهد العظيم أوجس في نفسه خيفة أن يفتتن الناس بما رأوا، فأوحى الله إليه أن يا موسى لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا، إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى، فقال موسى للقوم: ما جئتم به السحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون.

حرص موسى أن يؤكد للناس أن ما سيقوم به ليس سحراً وإنما معجزة من الله أجراها على يديه لإبطال السحر والخداع، فلما ألقى موسى عصاه، صارت حية عظيمة ذات قوائم وعنق عظيم وشكل هائل مزعج، فهرب الناس منها وتأخروا عن مكانها، وأقبلت الحية على ما ألقوه من الحبال والعصي، فالتقمتها واحداً واحداً في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجّبون منها. ‏

وقع الحق وبطلت أعمال السحرة، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وهالهم ما رأوا وما لم يكن في خلدهم، وأدركوا أن موسى محق فيما قال لهم، فكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وهداهم للإيمان، وخروا لله ساجدين، واعترفوا قائلين: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.

اشتاط فرعون غضباً مما رأى، ومن خزلان السحرة له، فقال: آمنتم له قبل أن آذن لكم، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، وإن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها. وأقسم أن يعذب المؤمنين أشد العذاب، وقال: لأقطعن أيديكم وأرجلكم ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى.

اتهم فرعون موسى أنه كبير السحرة الذي علمهم السحر، رغم أنه يعلم وكل الناس تعلم أن فرعون هو الذي جمع السحرة من طول البلاد وعرضها وأنهم لم يلتقوا بموسى إلا يوم الزينة، وأثار مشهد موسى مع السحرة جدلاً واسعاً في أنحاء البلاد حيث شاهدت الجماهير العريضة بنفسها كيف غلب موسى فرعون مصر وهزمه أمام أعين الناس.

كان أول من آمن به بعد واقعة العصا هم السحرة، وقد هداهم الله وثبت إيمانهم، لكن فرعون استكبر ولم يؤمن بآيات ربه، وحشد جنوده للنيل منهم بعدما خزلوه وفضحوه، فنصب جزوع النخل وربط المؤمنين عليها وضربهم وقتلهم، وبلغ إجرام فرعون حداً من الطغيان أن عذب الناس بقطع أطرافهم فيأتي بالرجل ويقطع يده اليمنى وقدمه اليسرى.

رفض السحرة الرجوع عن إيمانهم، وواجهوا عذاب فرعون بكل تحدي وثقة، وقالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى.

لقد بلغ هؤلاء من الإيمان ما ثبت قلوبهم وصبرهم على البلاء، وقالوا لفرعون: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاء به رسول الله، وإن عذابك هذا قليل بالنسبة لعذاب الله، فإن من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، أما من يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فألئك لهم الدرجات العلا، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكي.

ولما زاد فرعون التنكيل والتعذيب بهؤلاء المؤمنين قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين. واستشهد كثيرون في مذابح فرعون.

 

قصص الأنبياء

تابع أيضاً:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.