الأحد , ديسمبر 4 2022

الكف عن القتال والاهتمام بالبناء الداخلي

نتناول في هذه المقالة موضوع الكف عن القتال والاهتمام بالبناء الداخلي من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور علي الصلابي بإختصار وتصرف.

قد تهمك:

banar_group

الكف عن القتال والاهتمام بالبناء الداخلي

حكمة الكف عن القتال:

كان المسلمون خاصة الشباب يرغبون في مواجهة المشركين،

فقد أتى عبد الرحمن بن عوف وأصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة.

فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة.

قال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم.

وقد كتب سيد قطب عن الحكمة من الكف عن القتال وسرد أسباباً وعللاً لذلك ومنها:

  1. لأن الفترة المكية كانت تربية وإعداد منها التعود على الصبر على مالا يصبر عليه عادة، كتحمل الضيم وعدم الاندفاع والتجرد من ذاته.
  2. لأن الدعوة السلمية أشد أثراً في بيئة قريش، وقتالها قد يولد شارات تضيع فيها فكرة الإسلام الأساسية.
  3. لتجنب وقوع مقتلة في كل بيت، فالمسلمون كانوا يعذبون على أيدي أولياء كل فرد، وإذا سمح بالمقتلة فإن صورة الإسلام أن الولد يقتل أبيه والمولى يقتل الولي.
  4. ربما لأن الله يعلم أن كثير ممن يقومون بالتعذيب سيصبحون من جند الإسلام كعمر بن الخطاب.
  5. ربما لأن النخوة العربية تثور للمظلوم الذي لا يحتمل الأذى خاصة لو كان من كرام الناس، فهذا ابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر يخرج من مكة ورأها عار على العرب وعرض عليه جواره وحمايته، وأخر هذه الظواهر واقعة نقض الصحيفة.
  6. وربما لقلة عدد المسلمين وانحصارهم في مكة، فالقتال يؤدي لإبادتهم حتى ولو قتلوا أضعافهم من المشركين وعندها لا يقوم للإسلام نظام.
  7. لم تكن هناك ضرورة لتجاوز هذه الاعتبارات السابقة، فالدعوة مازالت قائمة وقائدها في حماية ومنعة من قومه ولا يجرأ أحد على منعه من إبلاغ الدعوة أو سجنه أو قتله أو أن يكرهه على شيء.

ومن الحكم كذلك أن المصلحة إذا أدت إلى مفسدة أعظم تترك مثل قوله تعالى “وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)الأنعام.

الاهتمام بالبناء الداخلي:

كانت الفترة المكية (13 عاماً) كلها تربية واعداد وغرس مفاهيم:

  • لا إله إلا الله.
  • عدم الاستعجال واستباق الزمن.
  • التحلي بالصبر وضبط النفس.
  • توثيق الصلة بالله والتقرب إليه بالعبادة.

“قم الليل إلا قليلا” وقد قام النبي وأصحابه نحو عام حتى نزل التخفيف في نهاية سورة المزمل.

كان امتحانهم في الفرش ومقاومة النوم ومألوفات النفس وملذاتها وتربيتهم على المجاهدة ومقاومة الأهواء تمهيداً لتحمل زمام القيادة والتوجيه في عالمهم.

كان لقيام الليل وتلاوة القرآن أقوى الأثر في النفوس مع سكون الليل وهدأة الخلق وتفرغها من الشواغل والمناجاة بعيداً عن علائق الدنيا.

كان النبي صلى الله عليه وسلم مهتماً بجبهته الداخلية يغذي أصحابه بالعقيدة الراسخة التي لا تتزعزع ولا تلين وتتحمل العذاب والأذى في سبيل الله، وربى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجماعة على الأخوة لتكون وحدة متماسكة، فأصبحت رابطة الأخوة مقدمة على رابطة الدم والنسب، وسعت أخلاق الإخلاء والتعاون وتفريج الكرب والتحرير من الأفات التي تدمر الأخوة.

“ولاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا” رواه البخاري.

ولما طلب أشرف مكة من النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص مجلساً لهم بعيداً عن الضعفاء.

بين لهم أن الناس كلهم متساوون ونزل قول الله تعالى “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴿٢٨﴾”. الكهف

ومن أساليب التماسك التكافل المعنوي والمادي وأن يعين القوي الضعيف والغني الفقير.

أثر القرآن في معنويات الصحابة:

كان للقرآن الكريم أثر عظيم في شد أذر المؤمنين وتوعده الكفار بالعذاب الأليم.

وكان دفاع القرآن عن الصحابة يتم في نقطتين:

  • حث النبي صلى الله عليه وسلم على رعايتهم وحسن مجالستهم وعدم تقديم الكفار عليهم.
  • ضرب الأمثلة من القصص والأنبياء والأمم السابقة في الأذى والصبر وفي مدح تصرفاتهم وتبشيرهم بالثواب والجنة وفي التنديد بالأعداء وسلوكهم.

كان الكفار يسخرون من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم للمستضعفين ويقولون أهؤلاء من الله عليهم من بيننا.

فرد الله عليهم “ولا تترد وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ “﴿٥٢﴾الأنعام.

وحينما اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة بعض أشراف قريش وأعرض عن رجل فقير أعمى من الصحابة نزل العتاب الرباني المشدد “عَبَسَ وَتَوَلَّى (۱)أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (۲)وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)”. سورة عبس.

فجاءت الأيات لتدعم الصحابة وتعلن أن رجلاً كابن أم مكتوم في ميزان الحق أعظم من البلايين من أمثال الكافر أبي ابن خلف.

وفي القصة دليل على صدق نبوة محمد، فلو لم يكن نبياً لكتم هذه الحادثة، ولو كان كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الأيات وأيات قصة زيد وزينب.

تابع:

كان القرآن يسرد قصص الأنبياء من لدن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لتثبيت المسلمين وتغذية روح التضحية والصبر.

 والقصص هي من أنجح الوسائل ميادين في التربية والتعليم والإعلام، فهي مليئة بالعبر والحكم والأمثال.

كان القرآن يمدح أفعال الصحابة ويذم أفعال الكفار لما أعتق الصديق 7 رقاب لله نزل القرآن يمدحه ويذم فعل أمية ببلال”فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تلظى (14) لا يَصْلاها إِلاَّ الأشقى (15) الَّذِي كَذَّبَ وتولى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يتزكى (18) وَما لِأحد عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تجزى (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى (20) وَلَسَوْفَ يرضى (21)”.الليل

لما ثبت وفد نصارى نجران على الإسلام رغم استهزاء الكفار بهم نزل القرآن يعزز موقفهم .

“الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)”.القصص

كانت الأيات تبشر الصحابة بالثواب والنعيم وتحثهم على الاستمرار في الدعوة وتحمل الأذى وتبشرهم بالنصر والغلبة في النهاية وتبين فضل تمسكهم بالقرآن وعبادة الله وجزاء “إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)”. غافر

“إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)”فاطر.

وهكذا كان القرآن يخفف ويدافع ويحصن.

قد يهمك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.