الأحد , ديسمبر 4 2022

الجهر بالدعوة وسنة الابتلاء

نتناول في هذه المقالة أحداث الجهر بالدعوة وسنة الابتلاء من كتاب السيرة عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور على الصلابي باختصار وتصرف.
 

banar_group

الجهر بالدعوة وسنة الابتلاء

أولاً: الجهر بالدعوة:

بعد الإعداد العظيم العظيم الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم وتكوين الجماعة الأولى المنظمة، حانت المرحلة التالية إذا أنزل الله على نبيه، قول الله تعالى: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ` وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين ). الشعراء 214 ، 215

لما نزلت “وأنذر عشيرتك الأقربين” صعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا ونادى قريشاً بطناً بطناً حتى اجتمعوا فقال: أريتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإنني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

 فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فنزلت” تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ “.

وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم لكل بطن: أنقذوا أنفسكم من النار.

 ثم قال: يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحما سأبُلها ببلالها.

استخدم صلى الله عليه وسلم أبلغ وأقصر الأساليب، أخذ شهادتهم أولاً بصدقه ثم أعلن نبوته، ووقف بمكان مرتفع حتى تصل رسالته بوضوح، وهكذا الإعلام الصحيح يعتمد على الثقة بين المرسل والمستقبل، وعلى صدق المحتوى أو الرسالة.

وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بأقاربه وعشيرته وهم بطون قريش، ثم في مرحلة تالية أصبح يدعو كل من يلتقيه على اختلاف القبائل، ويتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم ومواسم الحج، ويدعو كل حر وعبد وقوى وضعيف.

أهم اعتراضات قريش:

كانت النتيجة لهذا الصدع أن سمع القاضي والداني بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وصار الحديث حديث الناس في المجالس والنوادي والبيوت.

كما أن من النتائج أيضاً هي الصد والإعراض والسخرية والإيذاء والتكذيب والكيد المدبر من شيوخ قريش وزعمائها وأهم الاعتراضات:

1- اعتراضهم على الوحدانية:

  • كان الكفار يعلمون أن الله خالقهم لكنهم كانوا يعبدون الأصنام اعتقاداً أنها تقربهم إلى الله.
  • كانوا يتعجبون من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لإله واحد بدلاً من تعدد الآلهة.
  • كانوا يعتقدون أن لله صاحبة من الجن وأنها ولدت الملائكة، وأن الملائكة بنات، تعالى عما يقولون علواً كبيراً.
  • ولقد رد الله عليهم كل ذلك بالعقل والإقناع، وطالبهم باتباع الحق وعدم القول بالظنون والأوهام، وأنه لا يعقل أن يمنح الله المشركين النبين ويكون له البنات، ومحمل المشركين مسئولية كلامهم.

2- كفرهم بالأخرة:

  • كانوا ينكرون بعث الموتى ويسخرون من ذلك، ويقسمون بأغلظ الأيمان لا يبعث الله من يموت.
  • جاء أُبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار.
  • كان القرآن الكريم يرد بأساليب تعتمد على خطاب العقل، والانسجام مع الفطرة، والتجاوب مع القلب.

فقد ذكر الله لعباده أن الحكمة تقتضي بعث، فالله خلق الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب فيستقيم من يستقيم ويسيئ من يسيئ، ثم يبعثهم ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وأكد أن الكون لم يخلق عبثاً، ولا يمكن جعل المسلمين كالمجرمين وضرب أمثلة في إعادة إحياء الأرض بالثبات، وفي قصة أهل الكهف، وغير ذلك.

3- اعتراضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كانوا لا يتصورون أن الرسول يكون بشرا مثلهم، وأنه ينبغي أن يكون ملكاً، أو مصحوباً بملائكة، وأنه لا يأكل ولا يمشي في الأسواق، وأنه ينبغي أن يكون كثير المال، وغير ذلك.

وقد اتهموا الرسول بالجنون، وبأنه شاعر، وبأنه كاهن، وقد رد القرآن على كل ذلك.

4- موقفهم من القرآن:

لم يصدقوا أن القرآن الكريم منزل من عند الله، واعتبروه ضربًا من الشعر، وقالوا: إن رجلاً أعجمياً يبيع عند الصفا هو الذي يعلم محمد هذا الكلام.

ثم اعترضوا على طريقة نزول القرآن، فأرادوه جملة واحدة.

وقد ردهم الله وتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فعجزوا رغم فصاحتهم وأشعارهم وبيانهم.

ثانياً: ســـنة الابتــــــلاء

لابتلاء سنة الله في خلقه، والابتلاء مرتبط بالتمكين، فلا يمكّن لأمة قبل أن تمر بمراحل الاختبار المختلفة.

“إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا “. الإنسان 2

أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ” العنكبوت 2″

سأل رجل الإمام الشافعي: أيهما أفضل للمرء، أن يُمكّن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله تعالى ابتلى نوحًا وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمداً، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة.

حكمة الابتلاء وفوائده:

1- تصفية الصفوف:

فالابتلاء يكشف المرء ويفرز المحق من المبطل.

2- تربية الجماعة المسلمة:

الابتلاء يثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً، وهم الذين يصلحون لحملها، فهم الصابرون المؤمنون.

3- الكشف عن خبايا النفوس:

فالابتلاء يكشف صدق المرء أمام نفسه، فيكون حجة له أو عليه.

4- الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة:

وتحمل الأمانة يتطلب إعداداً خاصاً، لا يتم إلاّ بالمعاناى العلمية للمشاق، وبالثقة الحقيقية بنصر الله وثوابه رغم طول الفتنة وشدة الابتلاء.

والنفس تصهرها الشدائد، وتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواتها المذخورة، فتستيقظ وتتجمع وتطرقها بعنف فيشتد عودها ويصلب ويصقل.

5- معرفة حقيقة النفس:

لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم، وتنكشف خباياها لهم، ويدركون حقيقة الجماعات والمجتمعات، وهم يرون كيف تصطرع مبادئ دعوتهم مع الشهوات في أنفسهم، وكيف تصطرع مبادئ دعوتهم مع شهواتهم، ويعرفون مداخل الشيطان ومزالق الطريق.

6- معرفة قدر الدعوة:

لكي تعز هذه الدعوة عليهم، وتغلو بقدر ما يصيبهم في سبيلها، وبقدر ما يضحون فلا يفرطوا فيها بعد ذلك .

7- الدعاية لها:

فصبر المؤمنين على الابتلاء هي دعوة صامتة لهذا الدين.

8- جذب بعض العناصر القوية إليها:

أمام صمود المسلمين وتضحياتهم، تتوق النفوس القوية إلى هذه العقيدة، ومن خلال الصلابة الإيمانية تكبر عند هذه الشخصيات مقدار الدعوة وحامليها.    

9- رفع المنزلة والدرجة عند الله، وتكفير السيئات:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلاّ رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة”. رواه مسلم

فوائد أخرى:

معرفة عز الربوبية وقهرها، ومعرفة ذل العبودية وكسرها، الإخلاص و الإنابة إلى الله والإقبال عليه، التضرع والدعاء والحلم والعفو والصبر، و رحمة أهل البلاء، وغير ذلك.

قد يهمك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.